نخبة من الأكاديميين
521
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
نقل المعارف وترجمتها من اليونانيّة إلى العربيّة رشدي راشد « 1 » يعتَرِف مؤرّخو العلوم والفلسفة العربيّة ، على اختلاف انتماءاتهم الفكريّة ، بأهميّة الإرث اليونانيّ بالعربيّة . ويدركون أنّهم إذا أهملوا هذا الإرث ، فلن يكون باستطاعتهم إدراك بروز العلوم ونموّها بالعربيّة ، وفيما بعد ، باللاتينيّة . وهذا الأمر ليس فيه ما يدعو للدهشة ، إذ يكفي الاطِّلاع على التطوّر الفعلي لحقول المعرفة في الحضارة الإسلاميّة ، لتقدير تأثير الإرث اليونانيّ ؛ كما يكفي لأجل ذلك مجرّد الرجوع إلى ما شهِد به المؤرّخون ومؤلِّفو كُتُب الطبقات ، كابن إسحق النديم « 2 » مثلًا . ويشهد أيضاً مؤرّخو العلوم والفلسفة اليونانيّة ، ولو بشكل غير مباشر ، على أهميّة الإرث اليوناني بالعربيّة . فلا يستطيع هؤلاء المؤرّخون تجاهل الترجمات العربيّة للكتابات اليونانيّة دون أن يحكموا على أنفسهم بضياع جزءٍ هامٍّ ممّا يسعون إليه وبحرمانهم من أداة ثمينة للفهمٍ . فبعض هذه الكتابات ، التي فُقد نصُّها اليوناني ، جزئيّاً أو كليّاً ، لم تعد موجودة إلّا في ترجماتها العربيّة . إضافة إلى ذلك ، تُمثّل شروح العلماء العرب لهذه الكتابات ، كما يمثِّل ما أنجزوه في العلوم التي تناولتها من تطوير ، وسيلةً قويّة لفهمها ولتحديد موضع كلٍّ منها في سياق تاريخ مادّته العلميّة . ونحن عندما نذكر هذا الأمر ، تخطر ببالنا أعمالٌ لعلماء مثل ديوقليس وأبولونيوس وبطلميوس وديوفنطس وألكسندر الأفروديسي وغيرهم . ويُجمِع المؤرِّخون على الاعتراف بضخامة ظاهرة الانتقال العلمي والفلسفي هذه وبأهميّتها في تاريخ العلوم وتاريخ الفلسفة ؛ إلّا أنّ هذه الظاهرة لم تحظَ ، رغم ذلك ، بالاهتمام الذي تستحق . فلم يزل هناك الكثير من النصوص التي يجب تحقيقها والتي تتطلّب القيام بالعديد من الدراسات ، لتكوين فكرة عن محتواها بصورة مُرضِية . أضِف إلى ذلك ، ما يَلزَمُ من تغيير في الرؤية إذا ما أردنا لهذه الدراسات والأبحاث أن تؤتي ثمارها . وهذا التغيير في الرؤية ، الذي بدأ يرى النور ، لا بدّ من أن يتناول ، في آن واحد ، المنهجَ وتَصوُّرَموضوع الدراسة نفسه . إنّ دراسة نقل الإرث اليوناني إلى العربيّة من الزاوية اللغويّة فقط - وهي الحالة الأكثر شيوعاً - ستؤدّي بلا شكّ إلى ضياع ما هو أساسي في ظاهرة النقل : دوافع الترجمة وامتداداتها والأشكال المختلفة التي كانت تتّخذها باستمرار . إنّ تناوُلَ هذا النقل ، بنيّة ترميم المؤلّفات اليونانيّة التي فُقِدت إلى الأبد أو التي لم يُعثَر بعد عليها ، فحسب ، سيؤدّي إلى نسيان ظاهرة النَقل وتطوّرها . إنّ الدراسات من هذا النوع ( وهي دراسات مشروعة وغالباً ما تكون مهمّة ، موضعيّاً ) ، إذا عُمِّمت ، وإذا ما اعتُمِدت كوسائل لرسم نموّ حركة الترجمة من اليونانيّة إلى العربيّة ، ستكون كالأشجار
--> ( 1 ) مدير أبحاث في المركز الوطني للبحث العلمي في فرنسا ، باريس ، المدير الأسبق لمركز تاريخ العلوم والفلسفات العربيّة وعلوم العصر الوسيط ومؤسّس هذا المركز ( التابع للمركز الفرنسي المذكور ولجامعة باريس 7 ) . ترجمة نقولا فارس ومنى غانم فريق الدراسة والبحث في التراث العلمي العربي ( الملحق بالمجلس الوطني للبحوث العلميّة لبنان ) . ( 2 ) ابن إسحاق النديم : " كتاب الفهرست " ، تحقيق ر . تجدّد ( طهران ، 1971 ) ؛ أنظر بشكل خاص ، الفصل السابع ص . 299 - 360 ، وص . 417 - 425 . نقله إلى الإنكليزيّة ب . دودج ( B . Dodge ) ، The Fihrist of Al - Nadim ، مجلّدان ، نيويورك ، 1970 . إحدى أولى الدراسات ، التي أضحت كلاسيكيّة الآن ، دراسة ماكس مييرهوف : Max Meyerhof : " Von Alexandrien nach Bagdad . Ein Beitrag zur Geschichte des philosophischen und medizinischen Unterrichts bei den Arabern " , Sitzungsb erichte der Berliner Akademie der Wissenschaften , Philologisch - historische Klasse ( 1930 ) , pp . 389 - 429 .